سفر (voyage)

il y a
3 min
10
lectures
1

écrivain, poète, romancier, photographe, infographe, designer et technicien en bureautique dans une société tunisienne. Tunisien, 52 ans, marié. tél. +216 98 603 987 e-mail  [+]

سفـــــــــــــــــــــــــر
VOYAGE
("سفر.. سفر.. طار السفر. عاش السفر..")
– معين بسيسو –


الساعة السادسة مساء، الظلام سرعان ما دبّ في الكون كعادة غروب الشمس خلال الشتاء. غادر فتحي مقر عمله بإحدى الإدارات بشارع "محمّد الخامس" بعد أن حيّي زملاءه الذين هموا بدورهم بمغادرة المكان.

لشد ما أتعبته هذه الوظيفة، ثمان ساعات يوميّا -ما أطولها- و كم كان يتمنى أن يقضيها مع زوجته مريم و ابنه الصغير أحمد. و لا يهم العمل و لا المسؤوليات. المهم أن ينعم بدفئ عشه الصغير. لكن آنا له ذلك و الواجب يحتم عليه أن يكدّ و يتعب من أجل هذه الأسرة التي يحبّها حدّ العبادة.

توجه فتحي إل محطة الحافلات "بساحة برشلونة" ليعود إلى منزله ببنعروس على متن الحافلة رقم "22". السادسة و عشرون دقيقة، توقفت الـــ"22"، تجمهر حولها أناس كثيرون في انتظار أن يفتح قابضها الباب، لكن لا الباب فُتح و لا "الخلاّص" حلّ بالمكان.
أشعل فتحي سيجارة "ليقتل" بها الوقت ريثما يأتي "سيّدنا القابض"، ثم دخن ثانية و ثالثة دون أي تغيير على الساحة، انتبه من شروده، بحث عن أولائك المتحلقين حول الـــ"22" فلم يجدهم. هل ذابوا أم تبخروا أم رحمهم الله فانشقت الأرض لتبتلعهم، و تريحهم من هذا العذاب اليومي. حمد فتحي ربه أنه لم يكن بمعيتهم فهو يحي أسرته و يكره أن يُحرم منها. حتى ولو كان البديل جنّة الخلد.
تتبعت عيناه حافلة تغادر مسلكها بعد أن امتلأت ركابا حتى غصّت، جرى نحوها، سارت و ابتعدت.
إنها الـــ"22" التعويضيّة التي عوضت تلك المعطّبة التي مكث فتحي حذوها وقتا طويلا. يعب دخان سيجارته، سابحا في محيطات مترامية من الحيرة و القلق. و إذا برجل يخاطبه: "خوي ستنى نصيف ساعة.. عدها جات الثنين و عشرين لخرى."
لم يستمع صاحبنا للرجل الذي أعاد على مسمعه تلك الجملة مرارا دون أن يعيره فتحي انتباها، حركه الرجل برفق من كتفه الأيمن قائلا: "خوي.. سمعتني؟"
ظل فتحي شاردا يحرق السيجارة تلو الأخرى. لمّا انتبه من حالته تلك نظر إلى ساعته. انتفض و كأن عقربا لدغته، تأفف و تف على الأرض متمتما: "جننتني هالــــ"22" إلى الجحيم أيتها "القحــ.. الصفراء."
ابتعد عن المحطة و هو يسب و يلعن و قد انتابته حالة قصوى من الغضب "الهستيري" على غير عادته. عندما هم بعبور سكة "المترو الخفيف"، فجأة تلقفه رجل عظيم البنية مرددا: "اشبيك تحب تُقتل روحك يا راجل؟". ثاب فتحي إلى رشده، انتظر مرور المترو -الذي كاد يدهسه منذ لحظة فاتت- ثم خفّ سيره كالمسحور نحو الشارع المقابل و عند ناصيته أشار إلى تاكسي بالوقوف.
-"هزني البنعروس.."
-"بنعروس..اركب.."
-"نهج الساحل.."
-"دكوردو.."
انطلقت السيارة و بعد حوالي عشرين دقيقة كانت رابضة أمام منزل فتحي-المتواضع- نزل صديقنا من "التاكسي" و كلم السائق بصوت مرتعش:
-"بقداش..؟"
-"ثلاثة دينارات و نص.."
-"تفضل.."
هم بدخول منزله متلهفا..
-"خوي هاك بقية فلوسك.."
لم ينتبه فتحي لنداء الرجل وواصل سيره متعثرا. ولج باب بيته لاهثا.. متعرقا.. كان متعبا و كأنه يحمل على كتفيه ثقل الكرة الأرضية. لم يحسّ يوما بالإرهاق مثلما يحس الآن. فتح الباب، اعترضه الصغير أحمد هاشا باشا: "با..بابا..جا.."مجددا لم ينتبه فتحي لما يدور حوله.. حتى أنه لم ينتبه إلى ابنه و راح يواصل طريقه ليدخل مباشرة إلى "بيت الحمام". أغلق بابها دون أن يقفله، فتح حنفية الماء (على آخرها..) ثم اقحم رأسه تحت الماء الذي تدفق باردا لعلّه يستطيع تبريد رأسه المشتعلة بهواجس و كأنها قنابل موقوتة. سرقته غفوة ناعمة لم يستطع مقاومتها، فأغمض عينيه و ســـــافر..




ابنه الصغير أحمد لم يتجاوز السنتين من عمره، هو كل حياة أبيه و أمه. يحبه فتحي كثيرا و طالما انتظر مجيئه بفارغ الصبر و هو ما يزال قابعا في رحم أمه، مريم. كم من مرّة لاعبه و كلمه و هو هناك. اليوم لم ينتبه إليه و كأنه غير موجود..
أما مريم، فهو يعشقها كما لم يحب زوج زوجته من قبل و من بعد. نسيّها اليوم و نسي أن يقبلها على ثغرها مثلما يفعل كل يوم منذ تزوجا لحظة يعود من عمله مساء.
تسرب الماء من تحت باب "بيت الحمام" و اندفع منسابا حتى وصل إلى المطبخ حيث كانت مريم تعد طعام العشاء "مقفول كسكسي" مثلما يحبه فتحي و أحمد يلعب بجانبها. انتبهت مذعورة إلى ذلك الماء.. خاطبت صغيرها:
"لواه تبزع فلما هون يا حمد يا وليدي.." كلمته و هي تقبله و تمسح أنفه من المخاط ثم قالت له ثانية و هي تغادره: "ستن لهون حتى نجيب خرقة نشف بها لما الي كبيتو و نرجعلك.."
خرجت مريم من "الكوجينة"، توجه الصغير إلى موقد النار، تعلق بالقدر جذبه إليه فانصب بما فيه عليه. شهق شهقة واحدة حتى أنه لم يبك..
عثرت مريم على مصدر تسرب الماء، فعرفت أن زوجها عاد من عمله و ربما يكون بصدد الاستحمام، ذلك أنها سمعت صوت الماء يسيل. خاطبت زوجها و هي تقف بجانب الباب المفتوح قليلا:
-"فتحي.. حبيبي.."
-".."
-"صكر سبالة الدوش.. راو الماء وصل للكوجينة..و قرب يزلّق حمد..
-".."(صمت و صمت.)
-"شيري.. سمعتني..؟"
-".." (صمت و صمت.)
-"فتحي.. فتحي آش بيك ماكش تسمع فيّ..؟".."تقُل.."
-".."(حتى الصمت انخرس..)
دفعت مريم الباب في هلع شديد، تعثرت في جسد زوجها الملقى و ماء الحنفية ينهمر عليه. صرخت، ولولت، حركته.. حاولت انهاضه، لا حراك، "ناحت.."
فات الأوان و قد عادت روحه إلى سمائها. تذكرت في غمرة فجيعتها ابنها الذي تركته بمفرده.
ركضت باكية ثكلى نحو المطبخ. أثناء ذلك بدأ جيرانها يتوافدون على مسكنها بعد أن سمعوا عويلها.
في المطبخ بحثت بعينين تملأهما الدموع عن صغيرها.
-"حمد.. بابا، وينك، ايجا شوف بوك إلي مشى و خلانا وحدنا..
آه يا وليدي.."
-".."(صمت كصمت لفّ أبيه
منذ لحظات فاتت..)
"حمــــــ.."

-تمت- (جوان 1996)
ملاحظة: هذه القصة بأحداثها و أطرها و شخوصها لا تمت إلى الواقع بأية صلة..
(مقتطفة من مجموعتي القصصيّة
(إصدار 2019) "غياهب التّيه")
1

Un petit mot pour l'auteur ? 0 commentaire

Bienséance et bienveillance pour mot d'encouragement, avis avisé, ou critique fine. Lisez la charte !

Pour poster des commentaires,

Vous aimerez aussi !